أنضم إلينا الآن



زوجتي الفرنسية....شمعتي التي انطفأت...وزوجتي الدمشقية وابنتنا.. ورودي التي تفتحت أرسل إلى صديق
الثلاثاء, 23 شباط 2010 19:42

ألمانيا : 1979 ....أنهيت دراستي العليا ’ ولم أكن ادري ما المصير الذي ينتظرني فلست ممن اوفدوا من قبل الدولة لارجع مدرسا في جامعة دمشق كأصدقائي الموفدين ولكنني ذهبت حراً طليقاً على حسابي الخاص . كان لي أخت مغتربة في افريقيا في مستعمرة بريطانية سابقة مع زوجها الذي يعمل كمدير في شركة لرجل أعمال لبناني كبير, وهذا الاخير طلبني لاكون مديراً لاحد المشاريع التي يريد القيام بها هناك فسأل صهري اذا كنت اتكلم الانجليزية بطلاقة فأجاب كلا لا يجيدها كالالمانية .. حسناً فليذهب اذن الى لندن على حسابي ليحسّن لغته الانجليزية ريثما تتم التحضيرات للمشروع . شددت رحالي وعبرت المانش الى بلاد الثلج والضباب ثم حططت الرحال في أحد البيوت الانجليزية ذوي ( البو وندوز ) الشهيرة والذي كان يسكنه شابات وشباب من جميع الجنسيات يأتون لدراسة اللغة او التحضير للجامعة. كانت تملك هذا البيت أمرأة (مسز سميث) في العقد السابع من عمرها وكانت تجمع الاجرة في نهاية كل أسبوع...وفي صباح احد الايام طلبت مني المسز سميث ان أستقبل احدى الشابات وأفتح لها الباب لانها لا تعرف متى ستصل وليس لديها الوقت لانتظارها وقالت لي بانها فرنسية وبالفعل رن الجرس وفتحت الباب وكانت تلك الفتاة الفرنسية الهادئة ذات الابتسامة الوادعة فاستقبلتها ببشاشة وجنتلمانية دون ان أدري انها ستصبح زوجتي طيلة عشرين عاما. تعلمنا الانجليزية معا في لندن وخلال هذه المدة تعثر مشروع افريقيا ولكن ذلك لم يعد يهمني فقد انستني المشروع وصاحبه وأصبح عندي الان مشروعا آخر ففي نهاية دورة اللغة اتفقنا على الزواج وذهبنا للسكن والعمل في باريس حيث بدأت صفحة جديدة في حياتي كتبت بالفرنسية التي لم اكن افقه منها حرفا وتعلمتها بسرعة طالما ان أستاذتي في منزلي. بدأنا مشوار الحياة معا نتحدى الصعوبات ونذلل العقبات يداً بيد ولا يمكن ان تتصوروا أعزائي القرّاء ما للاوربية الاصيلة من اخلاق وعفة واخلاص ونكران الذات والتفاني لشريك العمر الذي يثبت لها اخلاصه ومحبته ويشاركها الحياة بحلوها ومرها, والذي يغضبني هو الافكار المسبقة التي تعشعش في ادمغتنا عن فلتان الاوربية او قلة اخلاقها او اباحيتها. كانت علاقتنا مثالا للتسامح والمحبة بين الاديان فبقيت على دينها المسيحي الكاثوليكي وبقيت على ديني المسلم دون أي تضارب او تناحر لا بل كنت اذهب معها الى الكنيسة في اعياد الميلاد لاسمع الترانيم الجميلة مع موسيقا الاورغ التي تقرّب الانسان من خالقه, وعندما اتت بزيارة الى سوريا عام 1985 زرنا معا المسجد الاموي ولبست العباءة وطافت في ارجائه معبرة عن سرورها واعجابها. وأضع هنا ضمن قوسين سؤالا طالما سألته لنفسي : لماذا تقوم الدنيا ولا تقعد في بلدنا اذا فكر شاب مسلم بالزواج من مسيحية أو العكس بينما يحدث ذلك في أوربا بكل بساطة ؟. كانت الحياة تمر بسلاسة وانسجام , تأتي من عملها في احدى شركات الادوية العالمية التي اتخذت من باريس مقرّا لها وأرجع من عملي وكل منا يأتي منهكا ينتظر هذه اللحظة المسائية اللطيفة لكي يبوح للآخر ما اثقل قلبه من مشاكل العمل اليومية , الى ان أتى اليوم الذي رجعت فيه وعلائم التعب ظاهرة بشدة على محياها طالبة زيارة طبيب فقلت نعم وبسرعة. وبعد زيارة الاطباء والمعاينات والتصوير, ظهرت النتائج , ولا انسى تلك اللحظة المشؤومة التي رن بها هاتف مكتبي فكانت هي..زوجتي الحبيبة ذات الصوت المخملي الدافئ الذي كنت أحب سماعه ...حبيبي..لقد انتهيت...جئت بنتائج التحليل...سرطان في البنكرياس مع انتشار في الكبد !! لقد وقع هذا الخبر على رأسي وقوع الصاعقة .. تركت مكتبي وتظاهرت برغبتي باحتساء القهوة في القبو واتخذت من ذلك ذريعة لاطلاق العنان لنفسي البشرية لتخرج ما بها من قهر وألم وحزن وبؤس ودموع حاولت اخفاءها عن زميلتي في العمل دون جدوى فقد نصحتني بترك عملي والذهاب الى أي مكان أشاء وفعلا تركت المكتب وتوجهت بالاتجاه الذي اأخذتني اليه اقدامي دون أي سيطرة مني..الى ضفاف نهر السين..هائما على وجهي في حالة من الذهول لا أرى فيها ما يحدث من حولي. دخلت زوجتي افضل المشافي المتخصصة والتي يديرها ابرع بروفسور في هذا المجال وتلقت العلاجات الضرورية الكيميائية منها والفيزيائية واستمرت هذه الحالة عدة اشهر بين تحسن وتراجع وكنت انتهز الفرصة يوميا في كل مرة استطعت بها ترك عملي للذهاب اليها والاطمئنان عن حالتها وقلبي بيدي خوفا من سماع أخبار اكثر سوءاً, ولكن تباً لك أيها المرض الخبيث كم لعبت بأعصابي وكم أضنيتني بخبثك فقد انتشرت في كامل جسدها وبدأت بنخر عظامها. وفي أحد الايام ذات السواد الحالك تلقيت نبأ احالتها الى قسم العناية المرحلية ولم أفهم معنى هذه العبارة الا في اليوم التالي فكلمة مرحلية تعني المرحلة قبل الموت !!! حيث تتم مرافقة المريض وتأهيله نفسيا لمغادرة الدنيا حيث لم تعد تفيد الادوية ولا العلاجات ما عدا المسكنات وهنا اخذت اجازة للبقاء بجوار شريكة العمر فكنا نستقبل الممرضات والاطباء النفسيين والزائرين من الاهل والمتطوعين من الناس لمساعدة المرشحين للموت ..والراهب ..وكل من له علاقة بتسليم الروح الى ملك الموت. اما اللحظات التي كنا نخلو بها بأنفسنا فكانت أشد مرارة في حياتي ولا اريدها حتى لاعدائي , لحظات يشاهد المرء خلالها شريكة عمره تنطفئ شيئا فشيئا ..تنظر الي بعيناها الخضراوتين البريئتين ثم تهمس في أذني آخر أمنياتها فأجهش بالبكاء قائلا ..لا.لا أنت التي ستفعلين ذلك وأنا اكذّب نفسي والاطباء والرهبان وكل من خلقه الله لاقنعها واقنع نفسي انها لن ترحل وانها هي التي ستقوم بما توصيني به, ولكن كل منا كان يعلم ان الامر قد أنتهى. أمضينا على هذا النحو عدة ايام حتى اللحظة التي كلمتها فلم تستجيب.. غابت عن الوعي ..كالشمعة التي ذابت حتى وصلت الى قاعدتها فتراقص لهيبها متسارعا قبل الانطفاء الابدي..ذهبت الى الممرضة وقد أحرق اللهيب قلبي وقلت..زوجتي لم تعد تستطيع الكلام فأسرعت اليها وأعدت لها الحقنة الاخيرة..انها حقنة الموت الرحيم...فأدركت ان شمعتي قد انطفأت ولم يعد لي ما ينير ظلمة دربي ..ومرت الايام القاسية . .تسعة اشهر انقضت ولولا الحاح الاهل ولولا ان الله يحبني لما عوضني بزوجتي السورية الاصيلة..وردتي الدمشقية..وبرعمنا طفلتنا في طريقه الى التفتح..وقبل انهاء كلماتي هذه اريد ان اتوجه الى كل المغتربين من وطننا الحبيب لاقول ان لم تمروا ..وادعو لكم ان لا تمروا..بالمحنة التي عصفت بي فأنتم بالف خير.وسلامي للجميع.

 
بقلم :Dr.Y
سيريانيوز



اقرأ أيضـاَ ::


تاريخ آخر تحديث: السبت, 22 تشرين1 2011 07:43