سلسلة شاميات (سوق المسكية)

 إن استطاع الزمن أن يبدل قليلاً من صورتها فان عبق الماضي لن يضمحل وسيظل مؤرخاً يسطره التاريخ حاله، حال الذكريات الأخرى المخزونة في مستودع الأفكار ليبقى مرجعا وكنزا تتناولهما الأجيال المتلاحقة في الحقب القادمة

المسكية
سوق المسكية المنسوب اسمها لصناعة المسك يقع قبالة الباب الغربي للجامع الأموي ويختص ببيع المسك وأنواع العطور الأخرى إضافة للكتب الدينية وكانت مساحتها أكبر قبل عملية تنظيم الواجهة الغربية للجامع الأموي عام 1984 وعلى الجهة المقابلة من سوق المسكية تتفرع أسواق مختلفة اشهرها سوق تفضلي وهو خاص بألبسة النساء والمطرزات (الاغباني) الشهيرة كما تتفرع على امتداده سوق أخرى تسمى سوق الحرير وفيها تجد كل أنواع الخيوط الحريرية ومنسوجاتها وملابس الأفراح.
 
بين سوق "الحميدية" والجامع الأموي... وسوقي "العصرونية والقباقبية" تقع ساحة "المسكية"، تستوقفك هذه الساحة قبل التسرب إلى أحياء "دمشق" العتيقة... تستنفر حواسك كلها... تدفع عينيك للدوران في أرجائها الواسعة، قبل أن تركز على شيءٍ معين، أو تقرر أي اتجاه ستسلك...

ربما يغريك أحد عناوين الكتب في سوق "المسكية" أو تستوقفك تحفة ما في محلات الانتيكات! لعلك تريد التوجه لزيارة الجامع الأموي، أو الانحناء أمام ضريح "صلاح الدين الأيوبي" أو أنك تريد الاستمتاع بنثر حبات الذرة لطيور الحمام التي تحط في الساحة مسرعةً، قبل أن تعود إلى فضائها العتيق، أو ربما يستهويك رسم "بورتريه" لك أو لمن تحب في عشرين دقيقة بريشة فنّان متجول...
سوق "المسكية" سمي بذلك الاسم، نسبةً إلى تخصص باعة السوق بالمسك، والعطور، وكان اسمه سابقاً سوق "الكتبيين"، أو "الوراقين"..

بحسب روايات أهل المنطقة: كان السوق في الماضي يحتل مساحة الساحة كلها، حيث تباع الكتب واللوازم المدرسية، والمسك ولوازم الحجاج... حتى المطابع كانت هنا والمحلات متلاصقة على صفين متقابلين، وتمثل امتداداً لسوق "الحميدية" وصولاً إلى الباب الغربي للجامع الأموي.

لم يكن هناك طريق يؤدي إلى سوق "العصرونية"، أو ضريح "صلاح الدين" من الجهة الشمالية، كان الطريق مفتوحاً فقط من جهة الجنوب، باتجاه سوق "القباقبية".

الجدار الغربي للجامع الأموي لم يكن مكشوفاَ أيضاً، كانت تغطيه دكاكين الصاغة المتلاصقة، أو محلات بائعي النعال الجلدية، تغير الحال في العام 1984 عندما تم هدم معظم السوق، للكشف عن جدار الجامع الأموي والمعالم التاريخية للمنطقة.

في العام 2004 اكتمل ترميم الساحة لتأخذ شكلها الحالي: الأرضية مرصوفة بحجر البازلت، والماء ينبثق من بين الحجر ليأخذ شكل النافورة في الزاوية الجنوبية الغربية... ديكور المحلات المحيطة بالساحة يتداخل فيه "الأرابيسك" مع الزجاج المعشق، والمشربيات تتصدر الجدران من جهتين متقابلتين، لتصبح الساحة أشبه ما تكون بفناء داخلي لبيتٍ دمشقي.

غالباً ما تقتنى المصاحف

في سوق
من "سوق المسكية" وتباع فيه الكتب والتسجيلات الدينية، والبخور والمسواك، والمسابح والطواقي، والزينة لمناسبات الحج والعمرة، ومولد النبي (ص)... يقصده المسلمون من كل أنحاء العالم لشراء الكتب الدينية التي تشتهر بها "دمشق"، ككتاب "إحياء علوم الدين للإمام الغزالي"، و"السيرة النبوية لابن هشام".. واليوم تجد فيه أيضاُ، كتب الطبخ والأبراج، عدد تجار السوق لا يتجاوز اليوم الاثنا عشر تاجراً، اشتهروا بهذه التجارة منذ القدم ومنهم: "سباعي وشيخ التوت والعقاد وحب الرمان" لبيع الكتب، و"الجلاد ومحروس" للعطور.

ما تبقى من محلات سوق "المسكية"، لا يتجاوز اليوم عدد أصابع اليد، وتحتل الزاوية الشمالية الغربية من الساحة ،في الزاوية المقابلة يوجد عدد من محلات التحف.
عندما تشاهد رفوف الحمام في ساحة "المسكية" قد يخطر لك أنك في ساحة القديس "بطرس" في "روما"، لكن يكفي أن تمعن النظر


جيداً حتى تتأكد أنك هنا في "دمشق" قبالة جامع "بني أمية" الكبير، ورفوف الحمام التي تصل الأرض بالسماء، طالما عاشت هنا، وتفيأت ظلال بة "النسر" وظلت لزمن طويل تقتات على ما ينثره الزوار من الحبوب في صحن الجامع، ولأن أعداد الطيور تتزايد باستمرار وحراس الجامع ضاقوا ذرعاً بمخلفاتها، أصبحت الحبوب تنثر لها في ساحة "المسكية" لتأكل في الخارج وتكتفي بالراحة فقط في حنايا "الجامع الأموي"

كما لا يمكنك التجول في المنطقة دون أن يخطر لك زيارة الجامع الأموي، أو على الأقل استراق النظر من البوابة لفسيفسائه الذهبية التي تلمع تحت الشمس، وفي الساحة الخلفية للجامع من الجهة الشمالية- إلى الجانب الشمالي الشرقي لساحة "المسكية"- يرقد القائد البطل"صلاح الدين الأيوبي" بسلام.
هذه أنت يا شام .. كل ما فيك جميل ودافئ حتى أكاد أسمع همس جدرانك وشبابيك بيوتك .. أكاد أسمع آلاف آلاف الذكريات مازالت تروى بين أورقتك الجميلة .. الله يحميك يا شام


 

Share